الدور السعودي في الجنوب العربي.. من الشراكة المعلنة إلى مشروع الهيمنة والوصاية

كتب/ محمد القادري لم يعد الدور السعودي في الجنوب العربي بحاجة إلى كثير من التأويل لفهم أبعاده السياسية والعسكرية، فمجمل التحركات والمواقف السعودية خلال السنوات الماضية تكشف عن نهج يتجاوز مفهوم الشراكة والتحالف، ويتجه نحو فرض الوصاية على الجنوب، والتحكم بمستقبله السياسي والعسكري، ومحاولة إعادة تشكيل واقعه بما يتعارض مع تطلعات شعبه وإرادته الوطنية. فبدلاً من أن تكون المملكة العربية السعودية شريكاً في دعم استقرار الجنوب ومساندة حق شعبه في تقرير مصيره، أصبحت سياساتها، وفق ما تكشفه الوقائع والمواقف الجنوبية، محل اتهام مباشر بمحاولة إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره الحامل السياسي الأبرز للقضية الجنوبية، والعمل على تقويض حضوره عبر دعم وتفريخ مكونات جنوبية متعارضة معه، لا بهدف تحقيق التعددية السياسية الحقيقية، وإنما لإظهار انقسام جنوبي مصطنع، وتقديم صورة مضللة عن غياب التوافق الشعبي حول مشروع استعادة الدولة الجنوبية. ولم يتوقف الأمر عند حدود المناورات السياسية، بل امتد إلى عرقلة تحرير كامل جغرافية الجنوب، وتجميد قضيته، ووضع العراقيل أمام استكمال مشروعه الوطني، وصولاً إلى استهداف القوات الجنوبية بالقصف، في تطور خطير يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الموقف السعودي من القوات التي خاضت معارك مكافحة الإرهاب والدفاع عن أرضها. كما برزت محاولات استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولاً إلى الدفع باتجاه حلّه أو تفكيكه، بالتزامن مع احتجاز وفده التفاوضي، في ممارسات تمثل، من وجهة النظر الجنوبية، محاولة لفرض واقع سياسي جديد بالقوة، وتجريد الجنوب من ممثليه السياسيين، وإضعاف قدرته على الدفاع عن قضيته في أي مفاوضات تتعلق بمستقبله. وفي السياق ذاته، تتواصل المخاوف الجنوبية من مساعي إحلال قوات شمالية محل القوات الجنوبية في مناطق الجنوب، بما يعيد إنتاج معادلة الهيمنة العسكرية التي رفضها الشعب الجنوبي، ويضع أرضه وثرواته ومقدراته تحت نفوذ قوى لا تعبّر عن إرادته. أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فإن الإصرار السعودي على التمسك بمسمى وحدة اليمن، والدفاع عنه في المحافل الدولية، رغم فشل هذه الصيغة سياسياً وواقعياً في تحقيق الاستقرار، يمثل أحد أبرز أوجه الصدام مع تطلعات شعب الجنوب. فبدلاً من احترام حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، تصر الرياض على إبقاء قضيتهم رهينة حسابات ومواقف إقليمية لا تنسجم مع إرادتهم. ويزداد هذا التناقض وضوحاً مع استمرار التمسك بمكونات وقوى الإخوان اليمنية، التي يرى قطاع واسع من الجنوبيين أنها تمثل أحد أبرز الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع والهيمنة، إلى جانب العمل على إيجاد شركاء سياسيين جنوبيين يتبنون مشروع الوحدة الفاشلة، ويشكلون واجهة محلية لتمرير أجندات القوى الشمالية، على حساب المشروع الوطني الجنوبي. ولم تغب الحرب الإعلامية والدينية عن هذا المشهد؛ إذ تصاعدت حملات التحريض والتشويه ضد الجنوب وقضيته وقواته، من خلال توظيف الخطاب الديني والإعلامي لتصوير المطالب الجنوبية باعتبارها خروجاً عن الثوابت، ومحاولة شيطنة المشروع الوطني الجنوبي، بدلاً من مناقشة جوهر القضية والاعتراف بحق شعبها في تقرير مصيره. ومن أخطر الملفات التي تثير الريبة أيضاً، الزج بالقوات الجنوبية في معارك خارج حدود أرضها، في جبهات لا ترتبط مباشرة بأولويات الدفاع عن الجنوب، الأمر الذي يثير مخاوف من استنزاف قدراتها البشرية والعسكرية، وإضعاف بنيتها القتالية، بما قد يمهّد لفرض معركة جديدة تحت عنوان الدفاع عن ما يسمى بوحدة اليمن، بدعم سعودي، وصولاً إلى محاولة اجتياح الجنوب عسكرياً وإعادة إنتاج سيناريو حرب صيف 1994، التي لا تزال جراحها حاضرة في الذاكرة الجنوبية. وإلى جانب ذلك، برزت اتهامات بمحاولة إبقاء الجنوب تحت الهيمنة والوصاية السعودية، عبر توظيف ملف التطبيع مع إسرائيل، وترويج مزاعم تربط المشروع الجنوبي به، في محاولة لتشويه قضيته أمام الرأيين العربي والإسلامي. وهي اتهامات يرفضها الجنوبيون باعتبارها وسيلة لتضليل الرأي العام وصرف الأنظار عن جوهر القضية، المتمثل في حق شعب يمتلك إرادته وهويته وتطلعاته السياسية في اختيار مستقبله بنفسه. إن جوهر الأزمة لا يكمن في مطالبة الجنوب بحقه، بل في الإصرار على حرمانه من هذا الحق. فالشعوب لا تُدار بإرادة الآخرين، ولا تُصادر هويتها بالضغوط السياسية، ولا تُهزم مشاريعها الوطنية بحملات التشويه أو تفريخ المكونات أو استخدام القوة العسكرية. لقد أثبتت التجارب أن محاولة إضعاف المجلس الانتقالي، وتفكيك الصف الجنوبي، وإعادة إنتاج قوى الهيمنة، لن تؤدي إلا إلى تعميق الرفض الشعبي لكل أشكال الوصاية والتبعية. فالجنوب العربي ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا ورقة تفاوضية في يد أي دولة، ولا أرضاً مباحة لإعادة فرض مشاريع سياسية تجاوزها الواقع والتاريخ. ومهما تعددت الضغوط والمؤامرات، ومهما اشتدت محاولات الاحتواء والتفكيك والاستنزاف، سيظل الجنوب قضية شعب، وإرادة وطن، وهوية لا تقبل المصادرة. فالأنظمة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، والقوى قد تمتلك أدوات الضغط والنفوذ، لكنها لن تستطيع إلى الأبد الوقوف في وجه إرادة شعب قرر أن يكون صاحب أرضه ومستقبله. الجنوب إرادة شعب لا تُقهر، وقضية وطن لا تسقط بالتقادم، وحق لن تنتزعه الوصاية مهما طال الزمن.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *