أقنعة “التوجيه المعنوي” على الحدود: حين يُباع الوهم للجنوبيين في خنادق صعدة

شبوة_حرة
الأحد 22 مارس 2026
بقلم: فريد الدويل باراس
في غمرة المعارك المشتعلة على الحدود الشمالية، وتحديداً في جبهات “صعدة”، لا تقتصر الحرب على الرصاص والمدافع فحسب، بل تمتد إلى معركة أخطر تستهدف “الوعي”. يروي لي أحد أصدقائي المقربين، الذي كان جندياً يقاتل في صفوف القوات المرابطة على الحدود السعودية ضد الحوثي، قصة تكشف النقاب عن سياسة “اللعب على الحبلين” التي تُمارس بحق المقاتل الجنوبي.
جبهات منفصلة.. وعقيدة مختلفة
منذ البداية، كان الوضع الميداني واضحاً؛ فالجنوبيون يقاتلون في جبهات مستقلة ومنفصلة تماماً عن جبهات “الشماليين” (الدحابشة). لم تكن هناك ثقة متبادلة، وكان المقاتل الجنوبي يذهب بدافع كسر التمدد الحوثي وحماية حدوده، معتقداً أن الحليف السعودي يشاركه نفس الرؤية لمستقبل الجنوب.
خطاب “الاستقلال” لرفع المعنويات
يقول صديقي الجندي: “كنا في معسكرنا الخاص بالجنوبيين نتلقى زيارات أسبوعية من فرق التوجيه المعنوي التابعة للجانب السعودي، يقودهم (مطوع) يتقن فن الخطابة. كان كلامهم معسولاً ويدغدغ مشاعرنا الوطنية الجنوبية. كانوا يقولون لنا بوضوح: نحن معكم في إقامة دولتكم المستقلة، ونحن ندعم حقكم يا أبناء الجنوب، وأنتم الشجعان الذين سنقف معهم”.
كان الهدف من هذا الخطاب شحن المقاتل الجنوبي بعقيدة “التحرير”، ليقدم روحه رخيصة في تلك الجبال، ظناً منه أن دماءه هي الثمن الذي يدفعه لنيل اعتراف الحليف السعودي بدولة الجنوب القادمة.
الصدمة في خندق “الطرف الآخر”
نقطة التحول في وعي صديقي حدثت بمحض الصدفة. ذهب في ليلة “مقيل” لزيارة صديق له من أبناء الشمال يقاتل في الجبهة المجاورة (جبهة الدحابشة). وبينما هو جالس هناك، دخلت نفس فرقة التوجيه المعنوي السعودية، وبنفس “المطوع” الذي كان عندهم في معسكر الجنوبيين قبل أيام قليلة.
هنا سقط القناع؛ فالمطوع الذي كان يحرض على الاستقلال في معسكر الجنوبيين، وقف أمام الشماليين ليقول خطاباً مناقضاً تماماً: “نحن مع الوحدة اليمنية، ومستحيل نسمح بالانفصال، والسعودية لن تقف أبداً مع تقسيم اليمن، نحن ندعم الشرعية والوحدة ولا ولن نتخلى عنها”.
الفتنة كاستراتيجية استنزاف
يقول صديقي بصدمة: “التفتت لصاحبي وقلت له: هؤلاء يضحكون علينا! قبل أسبوع كانوا عندنا ويقولون نحن مع الجنوب، واليوم يقولون مستحيل نسمح بالانفصال!”. أدرك صديقي في تلك اللحظة أن “المفتن” لا يبني دولة، بل يوزع الوعود المتناقضة لضمان بقاء الجميع في محرقة الحرب، واستنزاف طاقات الجنوبيين في معارك بعيدة عن أرضهم وثرواتهم.
العودة إلى البلاد.. القرار الشجاع
لم يتردد صديقي في اتخاذ قراره؛ “هذه آخر ليلة لي هنا”. شرح لزميله الشمالي كيف يتم التلاعب بهم جميعاً لإطالة أمد الفتنة، وبالفعل قررا الانسحاب. في الصباح، غادر كل منهما باتجاه أهله؛ الشمالي نحو طريقه، وصديقي نحو الجنوب، مقتنعاً بأن من يريد استعادة سيادة الجنوب وثرواته، لا يبحث عنها في “توجيه معنوي” يغير جلده بين خندق وآخر.
خاتمة:
إن شهادة هذا الجندي هي جرس إنذار لكل جنوبي لا يزال يراهن على وعود الخارج وخاصه السعودية التي تُصاغ حسب المصلحة اللحظية. الثروات التي تُنهب، والدماء التي تُسفك، تتطلب وعياً يرفض أن يكون أداة في يد قوى تمارس “الخديعة المزدوجة” لتمرير أجنداتها على حساب تطلعات شعبنا الجنوبي.