بين استهداف “الرياض” وجراح “الجنوب”: هل الأمن القومي مفهوم انتقائي؟

شبوة_حرة

الخميس 19 مارس 2026

بقلم: فريد الدويل باراس

في مشهد سياسي معقد، تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الملفات، تتصدر أخبار الهجمات الصاروخية التي تستهدف العاصمة السعودية واجهة المشهد الإعلامي.

ومع كل استهداف، تبرز التصريحات الرسمية، وعلى رأسها تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، لتؤكد على “الخطوط الحمراء” للأمن القومي ورفض المملكة القاطع لكل ما يمس استقرارها.

​بيد أن هذه التصريحات، رغم مشروعيتها السيادية، تفتح في المقابل باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة لدى شريحة عريضة من المتابعين، لاسيما في الجنوب.

تساؤلات لا تمس أمن الرياض فحسب، بل تبحث في “ماهية” و”حدود” هذا الأمن: من الذي يشمله فعلياً؟ وهل يُكال بمكيالين حين يتعلق الأمر بدماء الحلفاء؟

​الأمن القومي: ما وراء الرادارات

​إن الأمن القومي لأي دولة لا يُقاس فحسب بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في صد الصواريخ الخارجية، بل يُقاس بعمق التحالفات السياسية والقدرة على حماية الشركاء المتأثرين بشكل مباشر بسياسات تلك الدولة. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتردد صداه في أروقة الشارع الجنوبي: أين كانت تلك الحساسية العالية تجاه “الأمن والاستقرار” عندما تعرضت القوات الجنوبية لضربات جوية غادرة ومؤلمة في مناطق مثل وادي حضرموت؟

​لماذا تبدو لغة الخطاب الرسمي حادة وصارمة عندما يتعلق الأمر بالخصوم المباشرين، بينما تكتسي بالغموض أو الصمت حين يتعلق الأمر بضربات تستهدف حلفاء مخلصين على الأرض؟

​أزمة ثقة وتضامن “انتقائي”

​هذا التناقض في التعامل يولد ما يمكن وصفه بـ “أزمة ثقة متنامية”. فبينما تسعى الرياض لحشد تضامن عربي وإقليمي واسع لمواجهة التهديدات الإيرانية، يرى الكثيرون أن التضامن فعل تبادلي لا يمكن أن يكون “انتقائياً”.

​إن ما يظهر أحياناً في الأوساط الشعبية من مشاعر برود، أو حتى شماتة، ليس سلوكاً عبثياً أو وليد اللحظة؛ بل هو نتيجة تراكمات مريرة من الألم والخسائر. إنها ثمرة قرارات سياسية وعسكرية تركت جراحاً غائرة في أسر فقدت فلذات أكبادها في صراعات كان يُفترض أنهم فيها “شركاء” لا “أهدافاً”.

​الإنسان أولاً: نحو مراجعة شاملة

​بعيداً عن حسابات الجيوسياسة، تظل المعاناة الإنسانية لأسر الضحايا حقيقة صلبة لا يمكن طمسها بالشعارات الرنانة. وحين يشعر الإنسان بأن دمه لم يُنصف، وأن تضحياته قوبلت بالنكران أو التجاهل، يصبح من المستحيل إقناعه بجدوى خطاب “المصير العربي المشترك”.

​إن استعادة الثقة تتطلب ما هو أبعد من البيانات الصحفية؛ تتطلب خطوات عملية، وشفافية مطلقة، وعدالة تعيد الحقوق لأصحابها وتفتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام المتبادل.

​خاتمة: الاستقرار يصنعه الإنصاف

​إن المنطقة اليوم، وبكل أطرافها، في حاجة ماسة لمراجعات جادة وشجاعة. فخطاب الأمن لا يكتمل بصوت الصواريخ أو حبر البيانات، بل يُبنى عبر شراكات عادلة تحترم تطلعات الشعوب وتعرف قيمة دماء الحلفاء. لقد أثبت التاريخ دوماً أن الاستقرار الدائم لا يُفرض بالقوة العسكرية المجردة، بل يُصنع بالحوار، والاعتراف بالأخطاء، والإنصاف قبل كل شيء.

مشــــاركـــة