الذكرى الـ32 لفك الارتباط: الجنوب العربي بين مقصلة “الوحدة” وعبث البلطجة الدبلوماسية

شبوة_حرة
الخميس 21 مايو 2026
بقلم: جاسم الجريّد
تطل علينا اليوم الذكرى الثانية والثلاثون لقرار فك الارتباط التاريخي الذي أعلنه الرئيس الجنوبي «علي سالم البيض» في 1994. لم يكن هذا الإعلان مجرد ردة فعل سياسية، بل كان صرخة رفض مدوية في وجه مشروع مبتذل، حيث أصبحت “الوحدة” مصطلحاً رومانسياً فضفاضاً يُباع في كبسولات إعلامية لإلغاء هوية سياسية كاملة وطمس ثقافة اجتماعية متجذرة.
قضية “الجنوب العربي” ليست أزمة تمرد طارئة، بل هي سردية كفاح وتاريخ عريق لشعب حر، تنفس الكرامة والاستقلالية منذ أن طرد آخر جندي بريطاني في 1967، ليؤسس دولته السيادية التي ظلت شامخة حتى سقطت في فخ الوحدة المشؤومة عام 1990؛ فخٌ نُصب بغدر، ودُبر بتوغل إقليمي سافر.
وهم الوحدة ومساعي التركيع
ما حدث في 1990 لم يكن اندماجاً بين شطرين، بل كان محاولة اغتيال ممنهجة لدولة الجنوب العربي، تجلت أبشع صورها حين حاولت قوى المركز فرضها بالدم في حرب صيف 1994، وهي ذات الحرب التي دفعت بالرئيس البيض لإعلان فك الارتباط. لقد تم استخدام “الوحدة” كأداة ناعمة في البداية، وخشنة لاحقاً، لتدمير البنية المؤسسية للجنوب وتحويل شعبه العريق إلى مجرد أتباع في نظام مركزي استبدادي. كان الهدف هو محو الذاكرة السياسية للجنوبيين، وإقناعهم بأن هويتهم المستقلة كانت مجرد “خطيئة تاريخية” يجب التكفير عنها بالتبعية العمياء.
سياسة التأرجح والبلطجة الإقليمية
هنا، لا يمكن للقلم الاستقصائي أن يغض الطرف عن الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في هذا الملف. لقد تأرجحت الرياض في تعاطيها مع الجنوب العربي وفق أجندة واضحة ومكشوفة: “إدارة اللاحسم وخلق اللااستقرار”. الهدف لم يكن خافياً على من يقرأ المشهد بعمق؛ وهو محاولة تحويل هذا الشعب الحي إلى مجاميع ترتزق على الفساد، لضمان بقاء الجنوب كورقة مساومة ميتة في يد صانع القرار.
ورغم استخدام المملكة لكل أدوات البلطجة الدبلوماسية والعسكرية للسيطرة على المشهد الجنوبي، وفرض أجنداتها بقوة النفوذ والمال لإخضاع القرار الجنوبي المستقل، إلا أن هذا المشروع اصطدم بصخرة الوعي الجنوبي الصلبة، وفشل في كسر إرادة شعب يرفض الارتزاق.
الموقف الثابت: الكويت والإمارات
في مقابل هذا العبث الممنهج، برزت مواقف خليجية أخرى لم تتلوث بوحل المساومات السياسية. ظلت دولة الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ثابتتين في دعمهما التاريخي والمبدئي للجنوب العربي بكل ما تستطيعان. دعمٌ لم يُبنَ على الابتزاز أو شراء الولاءات، بل على إدراك عميق لعدالة القضية وحق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره، وتقديم الغالي والنفيس للحفاظ على رمق الحياة واستعادة المؤسسات في تلك الجغرافيا التي أُريد لها أن تُستنزف حتى الموت.
مسار لا يقبل الانكسار
إن استعراض المحطات التاريخية لهذا الشعب يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام أصحاب حق أصيل:
كفاح التحرير: الانعتاق من الاستعمار البريطاني وتأسيس الدولة المستقلة (1967).
فك الارتباط ورفض الاستحواذ: قرار الرئيس علي سالم البيض الشجاع في 1994 بمحاولة استعادة الدولة، والذي قُمع بآلة عسكرية غاشمة تحت غطاء “حماية الوحدة”.
كسر حاجز الخوف
انطلاق الحراك الجنوبي السلمي في 2007، والذي أسقط ورقة التوت عن عصابات المركز وكشف زيف الشراكة.
المأسسة والردع
تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي (2017)، والذي نقل القضية من ساحات التظاهر إلى أروقة القرار الدولي والميدان العسكري الصلب.
الخلاصة
الجنوب العربي باقٍ، لأن القضايا التي تُعمد بوعي وتاريخ الشعوب الحرة لا يمكن أن تُمحى بقرارات البلطجة الإقليمية، ولا يمكن وأدها تحت شعارات الوحدة الزائفة.